شـبح البـيدوفيـليـا بـيـن الـقـانـون و الـمـجـتـمـع

شـبح البـيدوفيـليـا بـيـن الـقـانـون و الـمـجـتـمـع

شـبح البـيدوفيـليـا بـيـن الـقـانـون و الـمـجـتـمـع

شـبح البـيدوفيـليـا بـيـن الـقـانـون و الـمـجـتـمـع بقلم عــصـام لـبـيـض طـالــب باحـث ماستر القانون الاجتماعي المعمق 

مقدمة :

شـبح البـيدوفيـليـا بـيـن الـقـانـون و الـمـجـتـمـع

   الإنسان مخلوق حي كباقي المخلوقات [1]، غير أن الله عز وجل ميزه بالعقـل      و أودع فيه من قوة الإدراك والفهم والتمييز بين الحق و الباطل والخير والشر[2] ، حيث إن الله سبحانه وتعالى كرم هذا المخلوق أيما تكريم، مصداقا لقوله تعالى ” وَلَقَدْ كَرَّمْنَا بَنِي آدَمَ وَحَمَلْنَاهُمْ فِي الْبَرِّ وَالْبَحْرِ وَرَزَقْنَاهُمْ مِنَ الطَّيِّبَاتِ وَفَضَّلْنَاهُمْ عَلَىٰ كَثِيرٍ مِمَّنْ خَلَقْنَا تَفْضِيلًا”[3]، وعن أمنا عائشة رضي الله عنها قالت : ” قلت يا رسول الله بم يتفاضل الناس في الدنيا ؟ قال :”بالعقل، قلت : وفي الآخـرة ؟ قـال : بالعقل، أليس إنما يجزون بأعمالهم ؟ فقال صلى الله عليه وسلم : يا عائشة وهل عملوا إلا بقدر ما أعطاهم الله عز وجل من العقل ؟فبقدر ما أعطوا من العقل كانت أعمالهم وبقدر ما عملوا يجزون “[4].

        وكما للإنسان عقل[5] يميز ويدرك به كل ما حوله، ينطلق الإنسان بعقله في محاولة التعرف على الذات أولا لمعرفة الهوية البشرية الشخصية، بكل ما لها من دلالات، قد يستنتج منها ما يفيد في تكوين صورة لإدراك معاني ما أمدنا الله به،  تجنبا للشقاء الفكري[6]، كما أن للإنسان حرية في التخيل وطرح الإشكالات، و  التي تعتبر أهم  مصدر من مصادر تطور البشرية .

        إلا أن الإنسان قد يسلك طريقا قد يعتقد أنها الصواب، أو يخط منهجا بشريا يزيغ به عن المسار السوي، وبالتالي قيامه بأعمال يراها صحيحة سواء بفعل جهله بحقائق الأمور أم بفعل خطأ توارثه من الخلف للسلف أم بفعل مرض لا يجد له تفسير بوسائله الذاتية .

        فالإنسان قد يتوارث عادة من العادات والتقاليد التي قد يكتسبها بين أفراد المجتمع، والذي لا يمكنه إنكارها أو الاستغناء عنها ، كونها من روابط مجتمع مصغر، والخروج عنها يعتبر زيغ عن القبيلة[7] أو العشيرة [8]، كما أن الإنسان قد ينتابه مرض أو علة أو نقص في بعض حواسه ، منها ما قد يكون عضويا وآخر نفسيا ، والذي معه يصبح الشخص يرى كل ما هو خارج عن المألوف عاديا بالنسبة له، يكرره على أنه أمر عادي ، متقطع  أو يومي أو كلما سنحت له الفرصة بذلك ، وهو الحال مع البيـدوفيليا أو ما يعرف ب “الولع الجنسي بالأطفال ” والذي قد يعتبر من بين الطابوهات التي يخجل الكثير من الناس الخوض فيها، إلا أن كثرة الحالات التي نصطدم بها يوميا عبر عناوين صحفية تحدث لدى القارئ نوعا من الصدمة والدهشة وربما الاستغراب وقد تصل إلى عدم التصديق .

        إن أهمية موضوعنا هذا تتمحور حول البيدوفيليا ومظاهر العيب والخجل لدى بعض مكونات المجتمع، المقيد بانعدام التفتح والمصارحة ما بين الأبناء والآباء، وهو الشيء العائد إلى طريقة تكوين المجتمع في تربيتهم على منهج عدم الحديث والشرح والوصف الدقيق .

        وبالتالي فإن إشكالية موضوعنا هذا تتمحور حول مدى استغلال الإنسان البيدوفيلي لكل السلوكيات السلبية لأولياء أمور الأطفال، والمتمثل في الارتباط والالتصاق بالعادات والتقاليد والعيب والحشمة والوقار، ظنا منهم أن شخصية الطفل تتقوى بالتهذيب و عدم خدش حياءه، وذلك عن طريق شرح وتفسير بعض أشكال التحرش به، والتي قد تعتبر عادية بين مجتمعنا، إلا أنها تعتبر بداية لجس النبض من طرف البيدوفيلي، للانقضاض على فريسته حالما يجد الفرصة المواتية، وللخوض في هذه الاشكالية لا بد لنا من الإجابة على العديد من الأسئلة والتي من بينها :

  • ماهي البيدوفيليا و ما هي أسبابها ؟
  • من هم المتدخلون للوقاية منها  ؟
  • ما هي آثارها النفسية عند المعتدى عليه ؟

         وللخوض في موضوع الدراسة سنعتمد على المنهج الاستنباطي و الوصفي بالإضافة إلى المنهج الفلسفي .

سوف نحاول التطرق لموضوعنا هذا عبر التقسيم التالي :

الفقرة الأولى : البيدوفيليا ما بين التعريف والمسببات

الفقرة الثانية : دور المتدخلين في الحماية من البيدوفيليا

الفقرة الأولى: البيدوفيليا ما بين التعريف والمسببات

      تتعدد المظاهر السائدة في مجتمعنا ، متنوعة بين الإيجابي  والسلبي ، وبتفاوت الدرجات ما بين العادي والخطر و الأخطر ، إلا أن بعض هذه الظواهر لا يجب السكوت أو تجنب الحديث عنها ، بل وجب تسليط الضوء عليها،  علّنا نجد لها حل بفضل تظافر جهود المتدخلين ، حماية منهم لمجتمعنا بكل مكوناتها، و كمثال على هذه الظواهر نجد من بينها البيدوفيليا ، والتي وجب تعريفها لفهمها (أولا) ومعرفة مسبباتها لتجنبها (ثانيا)   

أولا : التأصيل النظري لمفهوم البيدوفيليا

تعتبر البيدوفيليا[9] من أخطر الأمراض النفسية[10]، حيث تعد إيدز الأمراض النفسية السيئة السمعة بل أخبثها، وهو “اشتهاء الكبار للصغار” ما دون البلوغ جنسيا ، والذي لا يفرق بين الإناث والذكور ، وأصل كلمة بيدوفيليا جاء من اليونانية وهي تتكون من كلمتين، “بيدو”، التي تعني طفل و”فيليا” التي تعني الصداقة والتصاحب، وهو تصاحب من أجل الجنس، حيث إنه كلما توفرت له الظروف المساعدة للقيام بفعلته إلا وقام بها ، مفرغا بذلك شهوته ومرضه في الطرف الآخر، دونما أي مشاعر بالذنب أو احترام للروابط [11]، وكما جاء في كتاب ل COSIMO SCHINAIA والمعنون ب Figures de la Pédophilie كون البيدوفيليا تعكس صورة وحش، لا يجب الخوف منها أو تجنب الحديث عنها ، بل يجب مواجهتها وفهمها لتفاديها ، وهي الظاهرة التي بدأت في التغلغل داخل المجتمع الغربي والعربي على حد سواء ، الشيء الذي معه استوجب القيام بدراسات و أبحاث تجمع ما بين الشق الطبي في تخصصه النفسي والشق القانوني .

        و في فرنسا مثلا كلف العديد من الأطباء النفسيين لتحليل هذه الظاهرة التي أصبحت ترهق كاهل الجميع ، من  دكاترة و باحثين في شتى المجالات لفهم كل الحيثيات التي تتداخل في تكوين البيدوفيلي ، ومن بين هؤلاء الخبراء الباحثين لدى المحاكم الفرنسية نجد  Claude Balier و Jean-Louis Sénon  و غيرهم والذين انكبوا على القيام بعمليات اختبار موسعة لفهم هذه الظاهرة المتزايدة و المتسارعة في الانتشار [12] وقد عرف Krafft-Ebiny  وهو طبيب نفسي ألماني والذي ألف كتاب بعنوان ” الاعتلال النفسي الجنسي ” الصادر سنة 1886 حيث عرف البيدوفيليا كونها “ولع مثير أو فيه إثارة وتفضيل تجاه الأطفال ” والذي لا يتعدى في أغلب الحالات ثلاثة عشر سنة[13] وفي حالات قليلة قد يتجاوزها بقليل على ألا يتجاوز سن الثامنة عشر .

        كما أن تعريفها عند العرب قد نجده في مصطلح الغلمانية وهو نفس التعريف للبيدوفيليا [14]أي الشهوة الجنسية المتجهة نحو الأطفال ، كما أنها مختلفة تماما عن أمور أخرى قد ترتبط بالجنس وهي المثلية الجنسية  أو المخنث[15] أو غيرها من الأشكال الأخرى من الميولات الجنسية التي يمكن للمجتمع تقبلها والتعايش معها دونما الخوض فيها أو محاولة تحليلها وتكوين فكرة عنها، لمجابهتها والتفطن لها قبل أن تفتك بأطفالنا ، وكما أن الميولات الأخرى قد تكون ظاهرة للعيان ، فمثلا المثلي أو المثلية يتضح لك جليا مظهره من خلال حركاته أو تعبيرات وجهه أو لباسه [16] ، كما أن هناك العديد من الإشارات التي قد يلتقطها أي شخص بمجرد الحديث أو التواصل ، عكس البيدوفيليا أو الغلماني “Harceleur Sexuel D’enfants” ليس بالضرورة حاد الأنياب و على رأسه قرون شيطان ، بل هو إنسان بصورة عادية، رجل كان أو امرأة ، وبلباس عادي و حديث ومأكل ومشرب عاديين جدا ، ويتصرف كأي شخص طبيعي ، قد يكون جالسا معك ، قد يكون مراهقا أو شيخا كبيرا    أو ذو مكانة في المجتمع ، قد يكون ممن تثقون في ترك أبناءكم معهم، هذا المرض الفتاك الذي يعيش وسط المجتمع ولا يظهر إلا مع ذوي قضية قد يذهب ضحيتها أطفال أبرياء لا ذنب لهم[17] .

ثانيا : أسباب و عوامل خطر البيدوفيليا

        يقول بلانشارد وهو أستاذ مساعد في جامعة تورنتو ، إن المتحرشين بالأطفال يتم تحديدهم من خلال أفعالهم ، ويتم تحديد المتحمسين للأطفال حسب رغباتهم ، كما أن الجمعية الأمريكية للطب النفسي أضافته إلى دليلها سنة 1968 ليتم اعتماده كمرض جديد يتم تشخيصه بصفة متتالية، لعدم وضوح سبب معين [18] لهاذا المرض النفسي، وبالتالي صعوبة التفرقة بين الانسان العادي والانسان البيدوفيلي ، حيث إن هناك توجه يقول بأن الطفل المعتدى عليه جنسيا في صغره قد يصبح بيدوفيليا في المستقبل ، عملا بنظرية الضحية والجلاد أو Stockholm syndrome [19]، وهناك من العلماء من يقتصر المسببات الرئيسية للبيدوفيلية أو الغلمانية في :

  • الزيادة في هرمون التستوستيرون وهو الذي يرفع السلوك الجنسي ؛
  • تأثير العوامل الوراثية ؛
  • العوامل النفسية المتراكمة ؛
  • الوقوع ضحية عمل بيدوفيلي ؛
  • اضطرابات الشخص البيدوفيلي عاطفيا ؛
  • نشاط دماغي غير طبيعي ومختلف شيئا ما عن الانسان العادي السوي فكريا .

كما أن مخ الإنسان و بالتحديد في مناطق معينة قد ينتابها نقص أو تغيير ” كالفص الأمامي أو الجبهي ” Frontale Lobe  والذي يعتبر مركز الوظائف العقلية ، كالانتباه والحكم والتقدير والتفكير وحل المشكلات، وهو المسؤول كذلك على السلوك بشكل عام وكما يعتبر هو المسؤول عن بعض العواطف [20].

        لقد انهمك العديد من العلماء الألمان في القيام بدراسة مشتركة، لفك شيفرة أسباب الاعتداء الجنسي على الأطفال ، والتي قام بها قسم الطب في جامعة كييل في ولاية شليسفينغ هولشتاين والذي يعمل بتقنية الرنين المغناطيسي [21](MRI) ، حيث خلصت الاختبارات إلى أن مرضى البيدوفيليا يعانون من بعض التشوهات العصبية كما أنهم يتميزون بنسبة ذكاء أقل بحوالي ثمانية بالمائة 8% عن المتوسط ، كما أنهم خلصوا إلى أنه كلما كان الشخص غبيا كلما كانت ضحيته أصغر، إلى غيرها من المسببات التي لازالت قيد الدراسة والبحث [22].

        بالإضافة إلى العديد من الدراسات والبحوث التي أجريت في كثير من المجتمعات لتبيان الأسباب الحقيقية للبيدوفيلية أو الغلمانية حيث تختلف هذه الأبحاث باختلاف نوع المجتمع والظروف المعيشية لساكنتها سواء مادية اخلاقية أو دينية.

  • سكن الأسرة الفقيرة في غرفة واحدة والتي تنذر بإمكانية حدوث مثل هذا النوع من الاعتداء ؛
  • العيش في مجتمع ذكوري أو إناثي صرف، قد يولد الكبت الجنسي لدى الكبار وبالتالي اتجاه تفكيرهم لتفريغ كبتهم الجنسي في الأطفال ؛  
  • درجة النضج قد تلعب دورا كبيرا في مدى قابلية الشخص القدوم على الاعتداء الجنسي على الأطفال ؛
  • بيئة ملائمة لتكاثر البيدوفيليا (عدم اهتمام ومراقبة الأسرة متعددة الأفراد بأبنائهم)[23].

غير الغائب الأكبر في أغلب الدراسات تبقى مسألة الإحصائيات والأرقام الدقيقة ، حيث تبقى إما نادرة وغير مضبوطة أو قديمة نوعا ما بين 2013 التي كانت عدد الاعتداءات الجنسية على الأطفال 768 وسنة 2014 بحدود 850 حالة و 935 حالة سنة 2015 لتصل لأزيد من 2500 حالة اعتداء جنسي ضد الأطفال الشيء الذي يتضح معه التصاعد في عدد الاعتداءات سنة بعد سنة[24].

1 2 3 4الصفحة التالية

اترك تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني.

2 × أربعة =

زر الذهاب إلى الأعلى
error: هذا المحتوى محمي بحقوق الطبع والنشر !!